علوة تعود من وراء التاريخ

علوة تعود من وراء التاريخ thumbnail
By admin
Published: December 8, 2009

الكاتب/ كتب: التجاني علي   
Saturday, 14 November 2009
 

بعد انهيار كوش ، ظهرت عدد من الممالك منها   نوباتيا النوبية في الشمال وتسمى مملكة (المريس) وعاصمتها (فرس) المغمورة ببحيرة النوبة( بحيرة الناصر الحالية)  والثانية مملكة (المقرة) وعاصمتها ( دنقلة) والمملكة الثالثة هي علوة في وسط السودان وعاصمتها سوبا وكانت الثقافة المسيحية هي الثقافة السائدة حتى عام 1505 حيث تحالف قبائل العبدلاب مع قادة الفونج فأسقطوا مملكة علوة النوبية وخربوا عاصمتها سوبا ، كانت علوة  في ذلك الزمن معروفة لدى شعوب الشرق الأدنى المتحدثون بالإغريقية باسم علوديا، وكانت تلك المملكة الأقصى جنوباً من بين ممالك النوبة التي قامت في وادي النيل الى الجنوب من مصر في نهاية القرن الميلادي الرابع. مع حدود لها  بالاتجاه الشمالي بين الجندل الخامس وبربر امتدت علوة جنوباً الى قلب الجزيرة بين النيلين الأزرق والأبيض.
تحدها من الشرق مملكة أكسوم ونهر عطبرة. الى الشمال كانت هناك مملكة المقرة، وأبعد الى الشمال، بين الجندل الثالث ومصر، تلك المناطق الثلاث، تم تحويلها للمسيحية في القرن السادس حيث حولت نوباديا وعلوة عن طريق مبشرين من المعتقدين بمذهب وحدانية طبيعة المسيح قادمين من القسطنطينية أصبحت علوة بنهاية القرن العاشر أشد قوة من جارتها الشمالية المقرة عسكرياً واقتصادياً حيث مثل الذهب منتوج علوة الأساسي من الترسبات بالقرب من الحدود السودانية الأثيوبية الحالية الهدف الرئيسي لغزو بلاد السودان من قبل الجيوش الغازية  التي سيطرت على الممالك وفرضت عليها الضرائب والرسوم  إلا ان علوة بقوتها رفضت دفع الرسوم والجزية التي التزمت بها الممالك المجاورة للإمبراطورية

سوبا شرق :

مناطق متفرقة انتشرت على طول الطريق بعد عبورنا جسر المنشية الذي يربط شرق النيل بالخرطوم ونحن نبحث عن تاريخ وحضارة مملكة علوة  الآفلة التي كانت عاصمتها تتمدد في المساحة التي سيطرت عليها منطقة سوبا شرق بمناطقها المختلفة وتكويناتها المتباينة وقبائلها المتداخلة ، انتشرت زرايب حي النصر على الناحية اليسرى من الإسفلت والعربة تتجه بنا جنوباً صوب المكان وعيناي تلتقطان ملامح المنطقة الجديدة، وتسرح بالخيال بعيداً تستجدي أمجاد اندثرت وأحلام تبعثرت أعادها التاريخ بعد أكثر من خمسمائة عام من الزمان الى ذات المكان بواقع مغاير وتقاسيم مختلفة حتى سوق سوبا شرق الذي يقام في الاثنين والخميس من كل أسبوع يرتاده سكان المناطق المنتشرة في المنطقة مثل الكرياب والمرابيع تتقدمها مساحات واسعة من المزارع  باتجاه اليمين  للإسفلت كالشركة المتميزة لإنتاج الخضر والفاكهة وحتى الترعة الرئيسية التي ظهرت بعدها أنقاض مدينة علوة ظاهرة من خلال مجموعة من الحجارة المتكومة التي لا تخطئها العين الباحثة عن الحقيقة.

علوة بقايا أدمع 

واقع مغاير لتاريخ الحضارة القديمة التي صنعها الإنسان  في مملكة علوة فبعد الخراب الذي أصاب المنطقة الأثرية بعد قصة خراب سوبا التي اختلفت حولها الروايات كثيراً ، والتي ربط البعض خرابها بعجوبة تلك المرأة الجميلة التي ذاع صيتها وكثر خطّابها، فعملت والدتها على فتنة بعضهم بعضاً في ان من يقتل السلطان يفوز بزواج ابنتها، وهكذا حتى قضت على جميع السلاطين والأمراء فعمت الفوضى وخربت سوبا فصارت (عجوبة الخربت سوبا)، فبعد ذلك التاريخ البعيد انتشرت في ذات المكان مباني منطقة سوبا شرق التي تمددت بصورة أفقية كبيرة بعد أكثر من خمسمئة عام من الزمان على انهيار علوة الأم على أيادي سلاطين الفونج  في ذات المكان وكأنما التاريخ يعيد نفسه، وعلوة تبحث عن متنفس من تحت الأرض، حيث أشار محدثنا العبيد علي رئيس اللجنة الشعبية بالقنيعاب  والشيخ العجوز الذي نهل من التاريخ القديم قرابة المائة عام بالقول: إن  منطقتهم قامت في نفس المكان الذي أقامت فيه مملكة علوة عاصمتها ،حيث يوجد داخل القرية الآن حي يسمى بحي علوة نسبة لمجاورته المنطقة الأثرية التي تبدو واضحة من خلال تكوم مجموعة من الأحجار، قائلاً إن أجدادهم قدموا الى المنطقة قبل أكثر من أربعمئة عام قبل منطقة أم ضواً بان وكانت عموديتهم تتمدد من هذه المنطقة الى السكة حديد ببحري ،ويضيف: إنهم حضروا الى هذه المنطقة في العام 1949 وقبل أن تكون تابعة للعمدة عبد السلام في العهد التركي المصري والذي خلفه على هذه المنطقة ابنه عبد السلام الطيب والذي بدوره خلفه المبارك عبد السلام وحتى الخليفة التجاني عبد السلام والذي عاشرته وحضرت زمانه وعموديته، وهو كان حاكماً على مناطق الجريفات وأم دوم ودار السلام المغاربة، والتي كانت جميعاً تحت سيطرته ، ويشير العم العبيد أنهم كانوا بالأساس يعملون بالزراعة والرعي ويقطنون المناطق الخلوية وعندما أصاب منطقتهم الجفاف والغلاء توجهوا إلى هذه المنطقة الحالية، ولم يوجد بها أحد فاشتغلوا بالزراعة والبعض بالتجارة ، ولم نكن نعلم شيئاً عن علوة حتى قدم عدد من خبراء الآثار من الانجليز للتنقيب عن الآثار واستخدموا عدداً من سكان المنطقة في عمليات الحفر وكان ذلك في العام 1952 وبدأوا عمليات التنقيب ، مؤكداً ان عدداً من العمال الذين صاحبوا الإنجليز في هذه العمليات موجودون الآن بالمنطقة منهم عمر يوسف، والصديق عتيق الله، وعبد العزيز، يقومون بعمليات الحفر وعندما تبلغ هذه العمليات مرحلة معينة يطلب منهم الإنجليز الذهاب الى موقع آخر بعد أن أقروا بأنهم شاهدوا عدداً من المباني القديمة تحت الأرض أثناء عمليات الحفر قد طمرتها طبقات الأرض حيث يقول: إنه من الذين شاهدوا آثار مدينة علوة تحت الأرض ، ويمضي العم العبيد في القول: إن الطوب المتبقي من آثار مملكة علوة نقله الانجليز عبر المراكب إلى الخرطوم، وشيدوا به عدداً من الوزارات إبان عهدهم الاستعماري  في العام 1953 ، وقبل السودنة في عهد الرئيس الأسبق الراحل إسماعيل الأزهري الذي كانت حكومته قد أبدت اهتماماً بها، لكنه سرعان ما اختفى لتأتي الحكومات المتعاقبة دون ان تلتفت الى هذا التاريخ العريق الذي يمثل كنزاً مدفوناً في باطن الأرض حيث تشير الأنقاض وبقايا آثار المباني المهدمة إلى إهمال الدولة وعدم حفظها للتاريخ

سوبا عودة من باطن الأرض :

انتشرت   المباني على أنقاض مملكة علوة في منطقة سوبا شرق بصورة كبيرة وبطريقة ملفتة للأنظار حيث تشهد المنطقة نهضة معمارية كبيرة، وفي فترة وجيزة لم تكن بالمنطقة سوى قرى صغيرة ومتفرقة منها المرابيع ، الشقيلة، شوش، الحجاج ، الحسانية ، وغيرها حتى التأم شملها مع انتشار وتوسع الخدمات من مدارس ومراكز صحية وأسواق حيث يمثل سوق سوبا شرق (القنيعاب) المركز الرئيسي للتسوق  حيث أشار التاجر الطيب مصطفى الذي يعمل بسوق ود قنيعة الذي يقصده ويرتاده الكثيرون من سكان المناطق المجاورة:”  إن المواطن  يجد بالسوق كل السلع التموينية، والخدمات الصحية دون الحوجة للذهاب الي الخرطوم ، حيث تتوفر بالمنطقة أكثر من صيدلية ومركز صحي، إضافة إلى كل أنواع الحبوب والمحاصيل والأعلاف التي يعتمد عليها أغلب المواطنين الذين يمتلكون المزارع التي توفر بدورها بعض المنتجات؛ الدواجن ومشتقاتها إضافة الى الألبان وبعض مشتقاتها من أجبان وغيرها ، كما توجد بعض شركات الخضر والفاكهة ومركز لبعض الصادرات البستانية ، وفي الناحية الأخرى للنيل الأزرق توجد نهضة مماثلة لهذا النهضة المعمارية بمنطقة سوبا غرب التابعة قديماً للملكة بحكم انتشارها في المساحة بين النيلين الأزرق والأبيض التي ضمت فروعها وبواديها ، حيث تشهد منطقة سوبا غرب هي الأخرى توسع على الصعيدين الأفقي والراسي تشكله جامعة الرباط الوطني والسفارة الأمريكية التي ستنتقل إلى المكان في الشهور القليلة القادمة ، إضافة لعدد من المصانع والشركات والمجمعات السكنية فضلاً عن مستشفيات سوبا الجامعي،  والمجمعات الطبية التي من منا  لم يزرها واستشفى بها  ما يعطي انطباعاً لدى الكثيرين بان التاريخ أراد ان يعيد مملكة علوة من جديد داخل أسوار دولة  ، حيث الانفصال بين الشرق والغرب هنا سوبا في قلب التاريخ  وهنا سوبا تنهض تحتشد بالإنجاز والمنطقة كلها موعودة بأن تكون بوابة اقتصادية جنوبية للعاصمة الخرطوم وهي الآن ترتاح على مرمى حجر من قلبها.

المصدر الاخبار

  1. admin says:

    ألحضاره النوبيه هي اصل الحضارات